في بعض أسس الأنطولوجيا الإيمانية و تمايزها عن أنطلوجيا النفي و الإلحاد
أو
نحو أنطولوجيا اليقين الإبراهيمي
الشك مفتاح الحقيقة و باب الطمأنينة نطرقه ريبة لنستزيد من الإيمان و لو ظننا أننا امتلأنا به و تدفقت علينا فيوضات أنواره "
وإذ قال إبراهيم رب أرني
كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "-قران- -
في ليلة
الشك بركات و فيوضات انتظار لتجلي هلال النور و الضياء ينتهي شهر الضياء
برؤية و تجل كما يبدأ برؤية و تجل بعض نوره الذي بثه في أكوانه و موجوداته و
مخلوقاته
ليلة الشك النهائية هي ليلة الريبة في رفع حرج منع الأكل و
الشرب و المتعة الحلال لاستحضار معان تفوق الحظر المادي للطيبات و تدشن
للإنسان عهدا لشهر من عام للعروج نحو سماء التطهر من حالة التشيء بالماديات
الطين يتشيء بالطين ...
تدريب للعروج و معانقة المطلق في تجليات معانيه ذلكم
هو رمضان الذي يبدأ بشك الإنتظار ليرسخ اليقين و نفي الشك باليقين و ينتهي
كذلك بشك يثبت اليقين ليسير الإنسان في مناكب الأرض بزاده الشهري ينهل منه
عروجا و كبوة و قومة و تألقا و تعثرا .
و تلكم هي مسيرة الإيمان التوحيدي
الإنساني الادمي البشري ..
الشك لا علاقة له بالجانب الأنطولوجي اللاهوتي
الصرف المتعلق بالوجود و العدم أو الله و الموجودات بقدر ما يتعلق بوقت و
زمان "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس و الحج"-قران-
"مواقيت"
"مواعيد" "محطات زمنية" بداية و نهاية فمهما تأولنا استبعد الموقف
الأنطولوجي الصرف كمسحة و بطانة لليلة الشك إلا إن كان ذلك الموقف يرتبط
بأنطولوجيا الحقيقة الزمنية الرؤية من عدمها البداية و النهاية و بداية
النهاية
شهر مقابل إحدى عشر شهر شروق كبير و غروب كبير ثم إشراقة كبرى و
هكذا نحمل الزمن في أعمارنا و كينونتنا و "دهريتنا الإيمانية" فنحن دهريون
مؤمنون " قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل
و النهار "-حديث صحيح السند-
فلنؤسس لدهريتنا تأسيسا إيمانيا يميزها عن
الدهرية النافية للمطلق الجاحدة لله المتهكمة بأنعم الله و المكذبة بألاء
الخالق الموجد
كان إبراهيم عليه السلام "دهريا مؤمنا" تتبع ايات الدهر
التي تجعل الليل و النهار متعاقبان " فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
رَأَىٰ-;- كَوْكَبًا ۖ-;- قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ- فَلَمَّا أَفَلَ
قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ"-قران-
و بنى إبراهيم النبي نظريته الإيمانية
على أسس أنطولوجية مختلفة على الأسس التي جاءت بها الأنطولوجيا الغربية
النافية للمطلق ..
و تقوم "أنطولوجيا إبراهيم عليه السلام"
-أولا / على ريبة
سبقها اليقين و من أجل اليقين أي مكملة لليقين المتجلي تدفقا يكاد يخفى من
شدة ظهوره و تجليه على من رجح فطرة النفي المكتسبة أو المعتمدة تعمدا و
جحودا و عنادا على فطرة الله السليمة المرجحة للإيمان أي إيمان قائم على
مجرد النظر يتحول عبر الريبة الإيمانية لا الجحودية إلى إيمان عالم عارف
ثانيا/ توظيف الريبة باستخدام الفحص و الإستقراء العقلي و الجدل و
التفكير و التأمل و السؤال و الحوار فلئن سأل إبراهيم ربه مخاطبة فإن
الفيلسوف و الفقيه و العالم و الباحث و العارف يسائل النص و الوحي و الكون و
الوجود في علاقة تأملية حوارية و أنطولوجية إيمانية و ظواهرية و تأويلية
حتى يستكمل مسافات الريبة "فيطمئن قلبه" كذلك يفعل الإنسان العادي في حدود
مكتسباته الإيمانية و العقلية و المعرفية و الوجدانية ليبني علاقة التأسيس
الأنطولوجي الإيماني..
ثالثا/ لا يستمر البحث الأنطولوجي بعد القبض على الجزء
الهام من اليقين ذلك أن اليقين يؤسس لليقين فيصنع اليقين باليقين و ينازع
الحق بالحق لتأتي مرحلة العمل توازي مرحلة الإستزادة من اليقين و إلا تحولت
"الأنطولوجيا الإيمانية " إلى فلسفة موت الإنسان ما لم تتحول به إلى فاعل
في الكون و الوجود لذلك قال إبراهيم عليه السلام "فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ
بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ- فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ
يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا
رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ-
فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
(78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ
حَنِيفًا ۖ- وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)-
استعان إبراهيم عليه
السلام بخالقه منطلقا من أرضية إيمانية موقنة فزاده الله إيمانا و هدى الله
قلبه و عقله و سلم وجهه لله ليحقق معاني الإيمان استخلافا وجوديا إيمانيا
لكن هنا تبدأ مرحلة الإعتراض و المحاجة و الحجاج ..
رابعا/ مرحلة القوة
الإيمانية بالمناظرة و المجادلة و الحجاج و بيان عدم استواء الجحود مع
الإيمان يقينا و حجة و برهانا و دليلا "وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ۚ- قَالَ
أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ۚ- وَلَا أَخَافُ مَا
تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا ۗ- وَسِعَ رَبِّي
كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ۗ- أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ
مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا ۚ- فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ۖ- إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)-قران-
حصل التميز
بين "الأنطولوجيا الإيمانية" اليقين باليقين و الحق بالحق عن "أنطولوجيا
الجحود"و "الشرك"
فليس الشرك كالتوحيد و لا الإيمان كالنفي فلا يزعم أن
الإلحاد كالإيمان إن هي إلا هرطقات تريد معتقدة النجاح في مسارها
التأويلي أن تخاتل و تنفي الحدود و الأسوار ...
و لئن كان الإلحاد مكسبا
إنسانيا للبعض فالإيمان مكسب إنساني أقوى و أعظم و أكثر رسوخا إيمانيا و
عقديا و تمثلا و تعقلا عند أهله على الأقل ...
و لذلك وجب التمييز من غير
استعلاء إيماني بل قوة إيمانية تقوم على اليقين و التمايز لا التعالي أو
الإستعلاء..